يرى محلل السياسة الخارجية ألكسندر لانجلويس أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يجيد كسب الوقت، غالبًا على حساب الفلسطينيين وأي ضغوط محتملة على حكومته، معتبرًا أن هذا النهج ظهر مجددًا خلال أغسطس ودورة الانتخابات الإسرائيلية، بعدما رفض نتنياهو وكبار المسؤولين الإسرائيليين مرارًا أي اتفاق محتمل يقضي بنزع سلاح حماس في غزة بالتزامن مع انسحاب قوات الجيش الإسرائيلي من القطاع.
وذكر ألكسندر لانجلويس في مقال نشرته مجلة ذا ناشيونال إنترست أن إطار السلام الفلسطيني الذي تقوده الولايات المتحدة يزداد تعارضًا مع الواقع، معتبرًا أن رفض إسرائيل الاتفاق والتأجيل اللاحق للقرار في واشنطن يعكسان واقعًا مفاده أن نتنياهو والقيادات السياسية الإسرائيلية سيواصلون البحث عن مبررات لرفض أي خطة تفرض إنهاء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، فضلًا عن إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية المحتلة، من دون ضغوط مادية من المجتمع الدولي.
الواقع الميداني يتناقض مع الحديث عن التقدم
ويشير الكاتب إلى أن إسرائيل قتلت، بحسب الأرقام التي يستند إليها، ما لا يقل عن 1375 فلسطينيًا منذ ما وصفه بـ«وقف إطلاق النار» في أكتوبر 2025، وأصابت نحو 4600 آخرين. ويضيف أن إجمالي عدد الفلسطينيين الذين قتلوا بلغ 73,700 شخص، بينما وصل عدد المصابين إلى 174,800، معتبرًا أن الأرقام الفعلية قد تكون أعلى من ذلك.
ويقول لانجلويس إن الضربات الإسرائيلية تواصل استهداف الفلسطينيين في غزة، وتدمر ما تبقى من البنية التحتية والمساكن في وقت لا يزال فيه ما لا يقل عن 1.9 مليون شخص نازحين، بينما تواصل إسرائيل، وفقًا للكاتب، عرقلة وصول المساعدات الإنسانية إلى القطاع مع استمرار انعدام الأمن الغذائي.
ويرى الكاتب أن إسرائيل وسّعت تدريجيًا نطاق الأراضي التي تسيطر عليها، بينما هدد مسؤولون إسرائيليون كبار بالسيطرة على ما يصل إلى 70% من قطاع غزة أو أكثر.
وفي خضم هذا الدمار، يتحدث المسؤولون الأمريكيون والإسرائيليون عن «التقدم»، رغم أن الاتفاق المعلن في 9 أغسطس، والذي أبدت حماس بموجبه استعدادًا علنيًا لنزع سلاحها بالتزامن مع انسحاب إسرائيل من غزة، أعاد، بحسب لانجلويس، طرح الخطوط العريضة لمجلس السلام الذي اقترحه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
ويشير المقال إلى أن تلك التفاصيل تشكل جوهر خطة ترامب المكونة من 20 نقطة، والتي تستند إليها ترتيبات وقف إطلاق النار المعلن في أكتوبر 2025. وتهدف الخطة، على الورق، إلى إنهاء العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد حماس والفصائل الفلسطينية المسلحة الأخرى في القطاع.
ويضيف الكاتب أن حكومة نتنياهو وافقت بالفعل على تلك الشروط، التي تضمنت انسحابًا مرحليًا من غزة بالتوازي مع نزع سلاح حزب الله على مراحل. لكنه يرى أن المنظومة السياسية الإسرائيلية بأكملها ترفض تقديم تنازلات بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة قبل انتخابات أكتوبر 2026، التي لا يتوقع، وفق تحليله، أن تحدث تغييرًا جوهريًا في النهج الإسرائيلي تجاه القضية الفلسطينية.
السياسة الإسرائيلية تعرقل أي انسحاب من غزة
ويرى لانجلويس أن التفاصيل المرتبطة بالاتفاقات يجري تجاهلها لأسباب سياسية واستبدالها بمبررات مختلفة، مشيرًا إلى أن مسؤولين في واشنطن يقدمون الاتفاق باعتباره مكسبًا بحد ذاته، ويمهدون بذلك لاتفاق آخر قبل ما وصفه بالهزيمة السياسية الواضحة التي جاءت بعد ساعات فقط.
ويعتبر الكاتب أن السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل وفلسطين لطالما خضعت للحسابات السياسية والصورة الإعلامية أكثر من اتساق السياسات، متسائلًا في الوقت نفسه عما إذا كان البيت الأبيض يريد أصلًا اتفاقًا يراعي المصالح الفلسطينية بصورة حقيقية.
ويذهب لانجلويس إلى أن المؤشرات، في رأيه، تشير إلى العكس، معتبرًا أن مجلس السلام أقرب إلى حلم للمستثمرين منه إلى خطة حقيقية لإعادة الإعمار تضع الناجين من الحرب في قلب عملية إعادة البناء. ويصف التصور الذي ينتقده بأنه يعتمد على العمالة الفلسطينية داخل نموذج اقتصادي وتقني شديد القسوة، مع ما يراه من اعتماد على المراقبة المستمرة والخضوع لكيان يخضع للسيطرة الإسرائيلية.
ويقول الكاتب إن حقوق الفلسطينيين في الأرض، إلى جانب الحقوق الإنسانية والمدنية الأوسع، لا تحظى إلا باهتمام محدود في هذا التصور، بينما يركز المشاركون في رئاسة المجلس، بحسب رأيه، على فرص الاستثمار وتحقيق الأرباح، مع بقاء المصالح الأمنية الإسرائيلية في صدارة النقاشات المتعلقة بالصراع.
ويعتبر لانجلويس أن السياسة الإسرائيلية تمثل العامل الأبرز الذي قد يعرقل الاتفاق الجديد ومجلس السلام بصورة أوسع. ويشير إلى تبرير مسؤولين أمريكيين تشدد نتنياهو وخطابه المتشدد بأنه مرتبط بضرورة اتخاذ مواقف حادة قبل الانتخابات الإسرائيلية.
ويقول الكاتب إن طبيعة السياسة الإسرائيلية تدفع نحو تبني موقف متشدد بشأن القضية الفلسطينية، مشيرًا إلى أن التحول المتزايد نحو اليمين يستند، بحسب تحليله، إلى قاعدة انتخابية تتبنى أصلًا مواقف متشددة تجاه القضية، وتدعم بدرجات كبيرة طرد الفلسطينيين من غزة وضم الأراضي الفلسطينية.
وفي هذا السياق، يرى لانجلويس أن السياسيين الإسرائيليين لديهم حوافز لتبني برامج متشددة بهدف الفوز بأغلبية في الكنيست، لافتًا إلى صعوبة تعبير حتى بعض الأحزاب التي تصنف نفسها ضمن اليسار عن موقف واضح من «الاحتلال».
ويستشهد الكاتب بنتائج انتخابات 2022، عندما فاز حزب الليكود بزعامة نتنياهو، مشيرًا إلى أن تشكيل الائتلاف الحكومي استغرق 46 يومًا، من انتخابات الأول من نوفمبر حتى إعلان نتنياهو تشكيل ائتلاف يضم 64 مقعدًا في 21 ديسمبر.
ويقول إن مفاوضات تشكيل الحكومة كانت صعبة، ودفعته أكثر نحو اليمين لإرضاء حلفائه من أحزاب اليمين المتطرف، ومن بينهم إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، اللذان يصفهما الكاتب بأنهما من القيادات السياسية ذات التوجهات الدينية المتشددة والعنصرية الصريحة.
ويضيف أن هؤلاء السياسيين حصلوا على نفوذ في صياغة برنامج الحكومة واتخاذ القرارات اليومية، خصوصًا فيما يتعلق باحتلال الأراضي الفلسطينية ونظام التمييز الذي يصفه الكاتب بأنه قائم ضد الفلسطينيين.
اليمين الإسرائيلي يهدد مستقبل أي اتفاق بشأن غزة
ويشير المقال إلى أن هؤلاء السياسيين هددوا مرارًا بالانسحاب من الحكومة وإسقاط أغلبية نتنياهو الضيقة في الكنيست، خصوصًا بعد 7 أكتوبر، وكذلك خلال المفاوضات بشأن زيادة تدفق المساعدات الإنسانية إلى غزة وسط ظروف المجاعة، أو خلال ما وصفه الكاتب باتفاقات «وقف إطلاق النار» السابقة.
ويقول لانجلويس إنهم اتخذوا النهج ذاته خلال الخلافات بشأن الموازنة، وحصلوا على مكاسب سياسية كبيرة لتوسيع المشروع الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية.
ويخلص الكاتب إلى أن اليمين الإسرائيلي المتشدد يمتلك نفوذًا كبيرًا على نتنياهو، خصوصًا في ظل محاكمته في قضايا فساد، التي قد تؤثر في إرثه السياسي وقد تنتهي، وفقًا لما يورده المقال، بسجنه خلال سنواته الأخيرة في السلطة، وهي نتيجة يسعى إلى تجنبها.
وفي ظل هذه المعطيات، يرى لانجلويس أن فرص تنفيذ خطة النقاط العشرين وإعادة طرحها في اتفاق 9 أغسطس تبدو محدودة. ويقول إن فوز نتنياهو في الانتخابات، بحسب تحليله، سيجعل مفاوضات تشكيل الائتلاف الحكومي مرتبطة على الأرجح بموقف متشدد من استراتيجية إسرائيل في غزة.
ويضيف أنه حتى إذا تضمن البرنامج الحكومي الجديد خطة للانسحاب، فإن معركة الموازنة المقبلة في 2027 قد تعيد فتح الملف، كما حدث في السابق.
ويرى الكاتب أن اليمين الديني المتشدد سيواصل عرقلة أي خطة تتجاوز الوضع القائم المتمثل في ضم تدريجي ومتواصل للأراضي في غزة، معتبرًا أن هذا المسار قد يستمر حتى في حال فوز المعارضة، في ضوء ما يصفه بدعم قطاعات من الجمهور الإسرائيلي للاحتلال والضم وطرد الفلسطينيين من غزة، إلى جانب وجود أحزاب يمينية وغياب الأحزاب العربية عن إطار المعارضة الرئيسي.
ويشير لانجلويس إلى أن بعض الأطراف قد ترى إمكانية استخدام الأحزاب العربية الإسرائيلية للحد من تشدد المعارضة تجاه القضية، لكنه يوضح أن معظم قادة المعارضة رفضوا تشكيل تحالف معها، مستندين إلى رفض ثلاثة من أصل أربعة أحزاب عربية للصهيونية.
كما يرى أن استعداد أي حكومة معارضة للخضوع للضغط الأمريكي ليس مضمونًا، في ظل ما يصفه بعدم اتساق الضغط الأمريكي الفعلي على إسرائيل لدفعها نحو الاستراتيجية التي تفضلها واشنطن.
ويخلص المقال إلى أن المسارات السياسية المختلفة، وفق رؤية الكاتب، تقود إلى استمرار الاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة وتوسعه تدريجيًا مع ترسخ الوضع القائم بمرور الوقت.
ويرى لانجلويس أن تغيير هذا الواقع يتطلب ضغطًا أمريكيًا مباشرًا وفعليًا، بما يشمل تقييد مبيعات الأسلحة لإسرائيل أو وقفها، وقطع الدعم الدبلوماسي في المحافل الدولية، وفرض عقوبات على الاقتصاد الإسرائيلي أو مقاطعته وسحب الاستثمارات منه، إلى جانب إنهاء العلاقات والدعم العسكري والأمني.
ويشير الكاتب إلى أن القانون الأمريكي المحلي والقانون الدولي وقرارات محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية تقدم، بحسب رأيه، أساسًا لهذه الإجراءات، معتبرًا أن العائق الأساسي أمامها يتمثل في الإرادة السياسية والدعم الأيديولوجي لإسرائيل على حساب الفلسطينيين.
https://nationalinterest.org/blog/middle-east-watch/why-israel-isnt-leaving-gaza-any-time-soon

